الأربعاء، 14 أبريل، 2010

مجتمع ما بعد الأزمة المالية العالمية


  يشهد النظام الاقتصادي العالمي أزمة شديدة ، بدأت تداعياتها تظهر علي النظام المالي في نهاية 2008 بإفلاس مؤسسة أمريكية عملاقة  ، قبل أن تنتقل عدواها لكافة مظاهر النشاط الاقتصادي .
 ومنذ اندلاع الأزمة والعالم يعيش في حالة من الترقب ، خوفا من توقعات أن يشهد النظام الاقتصادي العالمي حالة من الكساد تعيد للأذهان الكساد الكبير في ثلاثينات القرن الماضي ،  والذي خلف آثار مأساوية في تاريخ الحياة البشرية ،وان كانت التوقعات تشير إلى أن ما نتعايش معه من أزمة حاليا سيكون له آثار اشد وطأه من تلك الأزمة ، حيث عالمية النشاط وتزايد الترابطات الاقتصادية الدولية التي تسهل بشكل كبير من انتقال آثار الأزمات .
ويؤكد علي ذلك ما شهده العالم من انتقال سريع لتداعيات الأزمة في كافة أنحاء العالم ، حيث لم ينجو احد من تلك الآثار ، وان تفاوتت تلك الآثار بين ركود في الأسواق العالمية ، وإفلاس للشركات ، وتسريح للعمالة ، إلي حد إعلان دولة - ايسلاندا- إفلاسها.
وان كان تحديد أسباب الأزمة ذو أهمية بالغة ، لوضع الحلول المناسبة  ، فانه من الصعوبة ان نرد اندلاع هذه الأزمة إلي سبب بعينة ، فتلك الأزمة نشأت عن العديد من الاختلالات  الهيكلية والنظامية بل والسلوكية .
وان كانت الحكمة الشهيرة تحمل قطاع "الرهن العقاري" السبب في وقوع هذه الأزمة ، إلا أن هذا الآمر يشوبه نوع من السطحية والتبسيط ، فعلى الرغم من الدور الكبير الذي لعبه هذا القطاع في إشعال فتيل الأزمة ، فانه يحسب له انه أذال الغبار عن أزمة كانت تتزايد في التضخم كل يوم بصورة خفية  في ظل أدوات مالية قادرة علي إخفاء الأزمات ، بشكل يسهل لها التضخم دون وضع حلول دورية   ؛ فقطاع الرهن العقاري هو الضحية الأولى لأزمة كامنة في براثن نظام اقتصادي عاني لفترة طويلة من العيش في فقاعات وهمية ، انشأتها الانظمة المالية المتوحشة ، وغذتها السلوكيات البشرية الأنانية ، إلي أن تضخمت بشكل يسهل انفجارها في اى وقت ، وشاءت الأقدار أن يكون قطاع الرهن العقاري بمثابة" الدبوس" الذي فجر الفقاعة.
أيا ما كان سبب الأزمة ، فإنها خلفت تداعيات شديدة على كافة القطاعات ، فتهاوت المؤسسات المالية المعتمدة على دعائم وهمية ، ولحقها باقي القطاعات الاقتصادية ، مما جعل هذه الأزمة مرشحة وبقوة لان تتحول إلى أزمة إنسانية .

وبدأت النظريات الفردية تتهاوى في ظل تدخل الدولة بصورة كبيرة في النشاط الاقتصادي ، حيث أقرت العديد من الدول  شديدة التمسك بحرية السوق ، العديد من خطط الإنقاذ المعتمدة على ضخ الأموال في الأسواق  في عمليات تأميم شملت مؤسسات عديدة ، في محاولة يائسة لإنقاذها من شبح الإفلاس.
وعاد الحديث يتزايد عن الفكر الكنزى ،  ومدي نجاعته في إنقاذ النظامي الاقتصادي الرأسمالي من شبح الانهيار ، كما قام بهذا الدور في ثلاثينيات القرن الماضي، وذلك بعد إهماله منذ نداءات  تحرير النشاط الاقتصادي منذ ثمانينات القرن الماضي  ،  وكأن اسم العالم الكبير "كينز" أصبح مرتبط بالأزمات الاقتصادية ، وعاد الحديث عن دور الدولة في النشاط الاقتصادي ، بعد أن عاش العالم في ظل اقتناع كامل بتهميش لهذا الدور ، في ظل الدولة الحارسة .

وما ان اندلعت تلك الأزمة إلا وتعددت التساؤلات عن مصير النظام الاقتصادي العالمي ، وهل حقا الرأسمالية الليبرالية هي قدر البشرية وهى "نهاية التاريخ" في صراع دائم بين الأنظمة الاقتصادية ، أم أننا في مفترق طرق يمهد لظهور نظام اقتصادي عالمي جديد؟
أم أنها نبؤه بيتر دراكر والذي توقع [1] ، بأننا نعيش في فترة تحول ، وان هذا التحول سيكتمل في عام 2010 وان مظاهرة قد بدأت في تغيير الجوانب السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية للعالم منذ فترة ليست بالقريبة[2]
ورغم ذلك اعترف بصعوبة الجزم بشكل هذا التحول ، وأنة سيأتي بشكل بعيد عن تخيلات أي شخص ، فالمجتمع لن يكون اشتراكيا ولا رأسماليا وان ما أطلق علية "سياسة ما بعد  الرأسمالية " ستكون عبارة عن نظام تتزاوج فيه الأنظمة العالمية والإقليمية والوطنية والمحلية وحتى القبلية وتتعايش معا في نظام فريد.
فهل نحن حقا على مشارف نظام فريد ، أم أنها مجرد غمامة في سماء الرأسمالية ، حالما ما تنقشع إلا وسيعود النظام إلي هيمنته السابقة؟


[1] بيتر فرديناند دراكر ، مجتمع ما بعد الرأسمالية، ترجمة :صلاح بن معاذ المعيوف ، مكتبة الملك فهد الوطنية، 2001
[2] بيتر فرديناند دراكر، المرجع السابق، ص14
رأيك فى المقالة