الخميس، 19 يونيو، 2014

تشويش الوعي والإلهاء عن الواقع - الشارع المصري بين "تحرش التحرير" ... "وهل صليت على النبي اليوم؟"

تشويش الوعي والإلهاء عن الواقع
الشارع المصري بين تحرش التحرير ... وهل صليت على النبي اليوم؟

الشعب المصري منشغل حاليا بالعديد من القضايا والأمور والتي ظهرت على الساحة فجأة، وتم تضخيمها بصورة كبيرة من جانب الإعلام، ولاقت اهتماما ودعما من الإدارة السياسية الحالية والجانب المشترك بين هذه القضايا جميعا أنها قضايا غير سياسية.

تشترك هذه القضايا جميعا إنها قضايا (غير سياسية)

فخلال الثلاثة أعوام الماضية خاض المصريين جميعا في أمور السياسة، وأصبحت مناقشة المستجدات السياسية حاضرة في أي حوار يجمع المصريين، هذا الأمر يهدد بصورة كبيرة أي نظام سياسي، والذي يحتاج إلى قدر من الوقت لاتخاذ القرارات السياسية طويلة الأجل وجنى منافعها على المدى الطويل، دون تتبع وملاحقة مباشرة ومستمرة من الشعب، وخاصة ان غالبية الشعب ذات رؤية آنية محدودة ولا تطلع على الخطط طويلة الأجل.
وفى ليله وضحاها وبعد ان كان الجميع يخوض في أمور السياسية قبل الانتخابات الرئاسية، تحول الشعب المصري إلى الخوض في أمور أخرى (غير سياسية) بتنصيب رئيس جديد للبلاد.

ماذا يشغل الشارع المصري الآن:

1-  هل صليت على النبي اليوم؟

تتضح بصورة أكبر سياسية تشويش الوعي والإلهاء، في الحملة الأمنية والإعلامية (غير المنطقية) حول ملصقات في الشوارع تحمل عبارة (هل صليت على النبي؟)، والمقصود بها إلهاء وتشتيت الوعي لدى الجماعات الإسلامية، والتي وقعت في الفخ بسهولة ببدء الحديث عن نزع الصبغة الدينية عن المجتمع المصري، وغيرها من الأمور التي تبعدها عن الحديث عن السياسية.
فمثل هذه الملصقات تعود عليها الشارع المصري من وقت إلى أخر، على حسب الموقف والظروف، ففي وقت الرسوم المسيئة للرسول ( صلى الله عليه وسلم ) امتلأت الشوارع ببوسترات وملصقات تحمل شعارات حب وود للرسول، بالإضافة إلى العديد من الملصقات التي تطالب بمقاطعة المنتجات الدنماركية والأوروبية، وفى وقت الحروب الأمريكية على أفغانستان والعراق، امتلأ الشوارع ببو سترات تلعن أمريكا، كما تمتلا الشوارع ببوسترات وملصقات معارضة للكيان الإسرائيلي ومؤيدة لنضال الشعب الفلسطيني في كل حادثة تعدى جديدة من جانب قوات الاحتلال الإسرائيلي.
والأمر المشترك بين كل هذه الملصقات إنها مؤقته ولا تستمر لفترات طويلة، وتزال مره أخرى، دون حاجة إلى تدخل من جانب الجهات الأمنية، فلماذا هذا الأمر تضخيم آمر هذه الملصقات.

هل صليت على النبي اليوم؟

2-  ظاهرة التحرش
ظاهرة التحرش ليست ظاهرة جديدة على المجتمع المصري، ولكن الاهتمام الذي نالته هذه الظاهرة والتركيز عليها بصورة كبيرة ومبالغ فيها، يؤكد أن الإدارة السياسية تتخذ سياسية الإلهاء الشعبي كوسيلة لصرف الناس عن الخوض في السياسة.
ونجحت الإدارة السياسية بالتركيز على ظاهرة التحرش في هذا الوقت الهاء الحركات الليبرالية، وجمعيات حقوق المرآة وغيرها.

3-  فرض ضرائب على البورصة
فرض المزيد من الضرائب على الشركات المدرجة في البورصة كفيل بإلهاء المستثمرين والمتداولين في البورصة، وتركيز جهودهم في تحقيق اقصى أرباح ممكنة في ظل الخسائر المتتالية التي منيت بها البورصة المصرية عقب هذا الفرض.
وبالنظر إلى هذا القرار، نجد أن استخدام مصطلح الضريبة هو امر أراد به بالفعل إثارة التوتر في السوق، فالضريبة المقرة ماهي إلى نوع من أنواع المشاركة الاجتماعية الإلزامية للشركات، وليست ضريبة بالمعنى المتعارف عليه.
فالضريبة تكون عوائدها للدولة والتي تستخدمها في تحقيق أهدافها بالصورة التي تراها، أما الضريبة الجديدة على البورصة هي عبارة عن إلزام للشركات باستثمار نسبة معينة من أرباحهم في بعض المشاريع الاجتماعية كالتعليم والصحة وغيرها، وهذا أمر متعارف عليه وعادة ما تقوم الشركات بتحميل هذه التكلفة الإضافية على تكلفة الدعاية وليس الضريبة، لان مشاركة أحد الشركات الاجتماعية في إنشاء مدرسة بتم توظيفه بصورة أكبر كدعاية للشركة، وهو امر لا يتحقق في حالة فرض ضريبة.
والسؤال: لماذا استخدم متخذي القرار مصطلح (الضريبة) بدلا من (المشاركة المجتمعية)؟

4-  قرارات بعلاوات وزيادة المعاشات
فرض هذه العلاوات والزيادات في وقت يتعرض فيه الاقتصاد المصري للعديد من الأزمات الهيكلية، يبين ان مثل هذه القرارات ذات منحى اجتماعي أكثر منه اقتصادي، بمعنى انه يهدف إلى تهدئة فصيل كبير من الشعب، وإرضائه على المدى القصير، على الرغم مما سترتبه مثل هذه القرارات بالضرورة من أثار اقتصادية سلبية، فمن المتوقع ان تؤدى تلك القرارات إلى مضاعفة معدلات التضخم في السوق (زيادة الأسعار)، بصورة كبيرة في سوق يعاني من أثار تضخمية، وفى فترة زمنية تشهد معدلات تضخم مرتفعة بسبب قروب شهر رمضان.

يضاف إلى ما سبق العديد من القضايا المحلية والعالمية الاعتيادية في مثل هذا التوقيت، حيث لعبت الظروف دور داعم للنظام السياسي الحالى، فكأس العالم المنتظر كل أربعة أعوام كفيل بإلهاء جانب كبير من الشباب، وبخاصة جماعات الالتراس، والتي شكلت تهديد كبير للأمن والسلم الاجتماعي في البلاد عندما تدخلت في السياسة.
والامتحانات هي فترة عصيبة في داخل كل أسرة مصرية، تشغل بال الأسرة وتصرفهم عن الخوض في أي أمور أخرى، وبخاصة في ظل الأنباء عن تسريب الامتحانات والغش الجماعي في اللجان.
 كما أن الاستعداد لقدوم رمضان بتقاليده وترتيباته الخاصة في مصر كفيل بإشغال جانب كبير من التجار.

وتبقى كلمة...
إن اتباع سياسة تشويش الوعي والإلهاء عن الواقع هي سياسية ناجحة في المجتمع المصري، وتحتوى على العديد من المزايا، التي تصرف الناس عن الخوض في أمور السياسة، وتركيزهم في دورهم المخول بهم في بناء الدولة، كما تتيح للساسة الفرصة في العمل وفقا للخطط المدروسة، اذا فإن هذه السياسية هي سياسة ناجحة، وضربة بداية موفقه راهنت عليها القيادة السياسية الجديدة في مصر، وتفوقت فيها على النظام السياسي السابق (نظام الإخوان )، والذى فشل في صرف الناس عن السياسية، بل انهم من السذاجة إلى الحد الذى كانوا فيه مطلعين الشعب على كافة الخطط السياسية، مما شغل الناس بالسياسية عن باقي أمورهم، وعرض السياسيين إلى الضغوط المتتالية من الشعب.

وعلى الرغم ما ذكرناه أنفا من إيجابيات، إلا انه ينبغي التأكيد على أن مثل هذه السياسات هي سياسات مؤقتة، ولن يستمر تأثيرها فتره طويلة، وبخاصة إذا فشلت الخطط السياسية في انقاد الوطن، فالفشل السياسي سيكون له أثار اجتماعية واقتصادية، ستدفع المواطنين مره أخرى إلى الخوض في أمور السياسية، بحثا عن عدالة اجتماعية وتنمية اقتصادية حقيقية.
رأيك فى المقالة