السبت، 1 ديسمبر، 2012

التعليق على مشروع الدستور المصري الجديد: المادة 2



أولا:التطورالتاريخى للمادة الثانية من الدستور:

  تنص المادة الثانية من مشروع الدستور المصري على "الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع"".
وتعتبر هذه المادة أحد أكثر المواد التي أثارت الجدل والنقاش، سواء عند أعداد الدستور الجديد أو في الدساتير السابقة.


وترجع أهمية هذه المادة في انها تحدد دين الدولة، كما تحدد مصدر التشريع..

ولقد مرت هذه المادة الدستورية الهامة بالعديد من الأطوار حتى وصلت الى صيغتها الحالية ففي مرحلة سابقة لم يذكر أي أشاره الى دين الدولة في الدساتير الصادرة في اعوام 1882 و1923 وبدأت تظهر تلك الأشارة في الدستور السابق الصادر في عام 1971 والذي نصت المادة الثانية منه على ان "دين الدولة الرسمي الإسلام، ولغتها العربية، والشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع فيه"."

ووفقا لهذه المادة فانه عند الطعن على القوانين المخالفة للشريعة الاسلامية أمام المحكمة الدستورية العليا كان رد المحكمة: "إن وجود مصدر رئيسي لا يعني عدم وجود مصادر فرعية"؛ مما يعني أن تلك المادة -وفقا لصياغتها القديمة-عديمة الفائدة.
 وفى عام 1980 تم اجراء تعديلات دستورية على المادة بإضافة (الألف واللام) لكلمتي مصدر ورئيسي لتكون على صورتها الحالية "مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع."
ويتضح الفارق بأنه عندما تصبح الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع فهنا اصبحت الشريعة هي المصدر الرئيسي وليست مصدر فقط من ضمن مصادر التشريع اى ان المشرع (مجلس النواب) عندما يصدر تشريعا يجب ان يكون مستمد من الشريعة الإسلامية لأنها المصدر الرئيسي، ويمكن الطعن بعدم دستورية أي قانون يصدر مخالف لمبادئ الشريعة الأسلمية.


ثانيا :هل عملت المادة الثانية من الدستور على صبغ الدولة بالصبغة الأسلامية؟

الأجابة لا 
تأتى عبارة مبادئ الشريعة الاسلامية بصيغة عامة ومجردة، فما هي مبادئ الشريعة الإسلامية التي تعد المصدر الرئيسي للتشريع؟ ووفقا لأي مذهب؟ وماذا عن القضايا الخلافية؟
فافتراض صدور قانون يشك انه مخالف للشريعة الاسلامية، فمن هو المسئول عن تحديد ان ما إذا كانت تلك المادة بحق مخالفة للشريعة الاسلامية ام لا؟ فالإسلام يحوي العديد من القضايا الخلافية والتي يصعب على علماء الدين البت فيها على رأى واحد، فما حال قضاة المحكمة الدستورية العليا.
وكان من الأفضل ان تحدد هذه المادة هيئة دينية موثوق بها، تختص دون غيرها بالبت فيما يعد مطابق للشريعة الاسلامية وما يعد مخالف له، كهيئة علماء الازهر او هيئة علماء المسلمين.

أذا فان بقاء هذه المادة على حالها، يؤكد على بقاء الوضع كما هو عليه في الدستور القديم فالعديد من القوانين مخالفة للشريعة الإسلامية ، كما انه لا تطبق الأحكام الاسلامية أمام المحاكم الا في قضايا الاحوال الشخصية ، أي انه يمكن القول أن هذه المادة تعتبر غير مفعلة حتى الأن ، فالقول بأن مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع لم يؤدى الى سن قوانين وفقا للشريعة الإسلامية  كما لو تؤدى الى الاحتكام الى مبادئ الأسلم في القضاء ، فالقاضي يحكم بالقانون الوضعي ويرجحه على مبادئ الشرعية الإسلامية ، ويرجع ذلك بأن القاضي غير مسئول عن التمحيص واعادة النظر في القوانين وانما يقتصر دورة على الحكم بالقوانين السارية ، و يختص بإعادة النظر في القوانين المحكمة الدستورية العليا والتي لا تحتكم بأحكام الشريعة الإسلامية .

وان كان البعض يرجع لهذه المادة الدستورية الفضل في الوقوف ضد اصدار بعض القوانين التي دعت لها بعض المؤسسات الدولية الخاصة بالحريات الدينية والعقائدية والحرية الشخصية التي تتنافى مع مبادئ الشريعة الإسلامية ومع تقاليد الشعب المصري ( كإباحة الزواج المثلى وحرية الارتداد عن الدين....

أذا هذه المادة تصبغ على مصر صفة الدولة الإسلامية -شكلا-دون التقيد بها عند سن القوانين بشكل كبير.

ثالثا: مصر وشبح العلمانية) بين الإسلام والمسيحية) 

الدولة المدنية:
هي الدولة التي تقوم ‏على المواطنة وتعدد الأديان والمذاهب وسيادة القانون ويحكم فيها أهل الاختصاص.
ويعرفها البعض بأنها 
دولة المؤسسات التي تمثل الإنسان بمختلف أطيافه الفكرية ‏والثقافية والأيدلوجية داخل محيط حر لا سيطرة فيه لفئة واحدة على بقية فئات المجتمع الأخرى، مهما ‏اختلفت تلك الفئات في الفكر والثقافة والأيدولوجيات.
وتأتى الدولة المدنية لتنفي عن نفسها صبغة الدولة الدينية (والتي يحكم فيها رجال الدين الدولة) او الصبغة العسكرية (والتي يحكم فيها الجيش الدولة)
فمصر طوال الفترة السابقة كانت دولة ذات صبغة مدنية.

اما الدولة العلمانية: تعني اصطلاحاً فصل الدين والمعتقدات الدينية عن السياسة والحياة العامة(راجع)
 وان كانت غالبية دول العالم الأن تتصف بهذه الصفة الا انه أمر مستغرب في الشرق الأوسط(راجع الخريطة)

██ دول علمانية
██ دول تُعلن عن ديانة للدولة██ دول بدون معلومات واضحة



الامر الأخير:

 كما يرفض الأسلاميين بشكل كبير التحول الى الدولة العلمانية، ترفض الكنيسة أيضا الدولة العلمانية وتحاربها، فالفاتيكان يقاوم العلمانية بسبب أغفال الدساتير العلمانية الأشارة الى الله مما ادى الى صدور قوانين تعارض المسيحية كتشريع الزواج المثلى في الدول الأوروبية.
فالفصل بين الكنيسة والدولة يمثل هاجس يراود رجال الدين المسيحي مما دفعهم الى دعوات متواترة الى عودة تدريس الدين بشكل عام في المدارس دون التقيد بداية واحدة، فالمسيحية ترى في العلمانية أنكار لوجود الله وبداية في الألحاد
(

أن تجريد الدساتير من الصبغة الدينية هو أمر مرفوض من رجال الدين -مسلمين ومسيحين -وغير مقبول في الشرق الأوسط لما يتضمنه من تحول في التقاليد والعادات المتواترة في مجتمعاتنا الشرقية، يجب علينا ان نأمن لمصران تصبح بمنأى عن جميع هذه المهاترات في هذه الفترة الانتقالية الهامة وغض الطرف عن تلك الدعوات بألغاء المادة الثانية من الدستور، حتى لا تكون سبب فرقة في مجتمعنا.

 فالمشرع الدستوري يعلم جيدا طبيعة تركيبة الشعب المصري فعلى الرغم من ان الدستور ينص صراحة ان "مبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع " الا انه احترم الحريات الدينية ومنح لغير المسلمين الحق في الاحتكام لشرائعهم أمام القضاء وفقا لقانون الأحوال الشخصية لغير المسلمين ،كما ان القضاء المصري تفهم الامر في العديد من الاحكام القضائية ، كقضايا تغيير الانتماء الديني للفرد وألغاء خانة الديانة من بطاقة الرقم القومي ، وغيرها من الاحكام التي توضح مدى تقدير القضاء والمشرع المصري للحريات الدينية دون تطلب ذلك تعديل دستوري في المادة الثانية من الدستور.

أننا بمصر يجب ان تكون بمنأى عن أي فرقة طائفية في هذا الوقت لان مثل تلك الفرقة سيتخذها بعض الطامعين للتدخل في شئون مصر الداخلية، كما ستكون بداية لعودة التيار الديني المتشدد والذى عانت منه مصر لفترات كبيرة ، كما قد يكون مبرر لبعض الجماعات الى الدعوة الى تفريق الوطن وانشاء دويلات على أسس دينية.

رأيك فى المقالة