الجمعة، 12 نوفمبر، 2010

مقدمات الأزمة الأقتصادية الراهنة



    الأزمة الاقتصادية لم تكن حادثا عارضا ، وانما كانت عرضا كاشفا عن خلل بدأت مقدماته من فترة ليست بقصيرة، ولذا يجب التسليم بأن النظام الاقتصادي الرأسمالي لا يعرف ما يسمى "بالأزمة المفاجأة" ، فأي أزمة مهما كانت أسبابها يسبقها العديد من المقدمات والتي تنذر بوقوع أزمة في الأمد القريب ، فالاستقراء Induction، السليم يمكنا من توقع أي أزمة أيا كانت أسبابها .
   وأن كان من الممكن تقسيم الأزمات إلى أزمات دورية – مرتبطة بالدورة الاقتصادية- وأخري غير دورية، الا انه لا يعنى  هذا التقسيم أن أي من هذين النوعين لا تتقدمه العديد من المقدمات ؛ وان اختلفت هذه المقدمات على حسب الأزمة التي تنذر بوقوعها ؛ فقد تأتى تلك المقدمات في صورة خلل هيكلي يعصف بالنظام الاقتصادي أو تهاون في الرقابة على المؤسسات ذات الأهمية الاقتصادية أو في صورة زيادة ملحوظة في المكاسب مما لا يتوافق مع الظروف وهو ما يطلق علية "فقاعة Bubble" ما تلبث أن تنفجر مخلفة ورائها أزمة اقتصادية.
وان كان هناك اتجاه أخر يرى أن أخطر أحداث التاريخ والتي كان لها أكبر الأثر في حياة البشر، كانت نتيجة أحداث غير متوقعة بل وأحياناً غير قابلة للتوقع فيما تعرف بنظرية البجعة السوداء[2]. فأننا لا نميل مع هذا الرأى لما يمثلة من نوع من الاستسلام للأمر الواقع مما يخلق نوع من اللامبالة للاهتمام بالتحليل والاستقراء والمتابعة للنشاطات المختلفة.

وفي محاولة لتصنيف الأزمة الاقتصادية المعاصرة نري أن هذه  ليست من النوع الدوري الذي يصاحب الدورة الاقتصادية الرأسمالية في كافة أطواره ، وإنما هي ذات صبغة مركبة من مزيج من أزمات دورية وأخرى هيكلية عديدة[3].
فتلك الأزمة تضافرت العديد من الأزمات في تكوينها بداية من أزمة في الطاقة سبقتها أزمة غذائية  وتواكبها معدلات تضخم مرتفعة  وبالتالي فأن هذه الأزمة مرشحة لان تكون أزمة إنسانية أكثر منها أزمة اقتصادية [4].
فما نتعرض له لم يكن وليد الليلة بل يضرب بجذوره في سلوكيات اقتصادية ومؤسسية خاطئة بالإضافة لعدم نجاعة الإجراءات المتخذة لعلاج مقدمات تلك الأزمة .

  ولقد سبق نشوء تلك الأزمة المتراكبة العديد من السلوكيات التي مهدت لظهورها، بداية من ارتفاع معدلات الرفاهة في العديد من الدول المتقدمة وما يواكبه ذلك من زيادة كبيرة في معدلات الاستهلاك ،فالمجتمعات الرأسمالية المعاصرة توصف بأنها مجتمعات استهلاكية وترجع تلك الثقافة الاستهلاكية إلى الطفرة التي شهدتها الدول الرأسمالية في الإنتاج ، مما أدى لزيادة كبيرة في حجم المعروض وما تبع ذلك من تحول الإنتاج إلى هدف في حد ذاته وانتشر الميل للاستهلاك في ظل ثقافة قهرية تدفع الناس دفعا للاستهلاك[5]
 والاعتماد على الاقتراض من البنوك لتلبية تلك الحاجات الاستهلاكية المتزايدة ، والتي كانت تتوسع في الإقراض بصورة تشير في الأفق إلى  انهيار مصرفي ومالي ، هادفة تحقيق أعلى الأرباح دون نظرة اجتماعية  لمقدرة المقترضين على إعادة تلك القروض ، بل تعدت المؤسسات المالية هذا بالاتجار في تلك الأصول التمويلية ، وزاد هذا الأمر التفريط في أسس الائتمان وذلك بسبب تزايد السيولة في البنوك الأمريكية نتيجة الثقة التي كان يتمتع بها النظام المالي الأمريكي  ، واتجاه كبار المستثمرين من كافة أنحاء العالم  إلى استثمار أموالهم في المؤسسات المالية الأمريكية ، مما دفع البنوك للتوسع في الإقراض دون تدقيق في أسس منح الائتمان المصرفي .

كما اتضح  تزايد الاختلالات البنيوية والهيكلية  في الاقتصاد الرأسمالي والتي تشير إلي  خلل واسع في الجهاز المالي الرأسمالي ، فعدم كفاءة جهاز الثمن ، وغياب المنافسة الكاملة في أطار الدعوات المتتالية لتحرير السوق وتفاعيل مبادئ الليبرالية  كانت مؤشر هام على تلك الاختلالات .

كما يرجع البعض هذا الخلل إلى التطور  الحادث في الشركات المتعددة الجنسيات والتي لها دور بارز في سحب مبالغ طائلة من الدول العاملة بها ونقلها إلى بلدها الأصلية ، و تفيد الإحصائيات أنها الرابح الأكبر في ظل الأزمات الاقتصادية العالمية ، ففي غمار الأزمة المالية العالمية مابين عامي 1970 و 1981 استطاعت البنوك الأمريكية السبع الكبرى أن ترتفع بأرباحها المحققة في الخارج من 176 إلى 1323 مليون دولار  أي بنسبة ارتفاع من 22% إلى 55% من نسبة الأرباح الخارجية [6].

ويرى البعض أن الأمر يرجع إلي التخلي عن نظام القاعدة الذهبية(Gold Standard) والذي كان سائدا قبل قيام الحرب العالمية الأولى ، واستبداله بنظام ثبات أسعار الصرف ، في وقت بدا ظاهرا عجز الذهب عن القيام بتوفير السيوله المالية المناسبة للتطور الحادث في العلاقات التجارية الدولية بمفردة ، مما دفع الدول للبحث عن ذلك في عملة دولية تصلح للمعاملات الدولية، وهنا كان أمام العالم تقرير احد أمرين إما اعتماد عملة دولية يشرف عليها مؤسسة دولية وتجنبها الارتباط باقتصاد أي دولة ، وهذا ما ذهب إليه مشروع كينز للنظام النقدى الدولي وأطلق على تلك العملة اسم "البانكور"[7].
وإما اعتماد احد العملات الوطنية كعملة دولية ، ويشترط في تلك العملة توافر فيها القبول العام بين جميع الدول ، وان تكون متوافرة ،وهنا ظهر الدولار الأمريكي كالمنقذ نتيجة لتمتعه بثقة عالمية مرتبطة بالاقتصاد الأمريكي الرابح الأكبر من الحرب العالمية الثانية  ، وذلك باتجاه للتصنيع ، وزيادة الطلب العالمي على الإنتاج الأمريكي  في وقت اهتمت فيه الدول الأوروبية بالتصنيع الحربي كما كان نوع من القبول العام للدولار حتى الدول التي لا تتعامل مباشرة مع الولايات المتحدة الأمريكية في علاقات تجارية فهي متأكدة أن الدولار الأمريكي يمكن استخدامه للحصول على احتياجاتها من الدول الأخرى [8].
 وأصبح الدولار الأمريكي هو العملة المعتمدة في المعاملات الدولية  بعد اتفاقية بريتون وودز 1944 والذي وضع نظام مالي عالمي جديد ؛  وفى تطور أخر تم إحلال نظام الورق الإلزامي والذي أدى لتزايد معدلات التضخم ، وقيام الدول باعتمادها على القروض لسد العجز في ميزان مدفوعاتها.
  تلك المقدمات كان لها أثر هام لما نعايشة اليوم من أزمة اقتصادية ومالية ، وتكتسب الازمة الراهنة قوتها من تلك المقدمات الممهدة لنشوئها.
واخيرا علينا أن نشير إلى رأى – بعض الفقه - والذي يرى أن تلك الأزمة مفتعلة لاستنزاف ثروات الدول النفطية ومحاولة لخفض أسعار البترول – والتي كان مرشح لها أن تتجاوز حاجز 200دولار للبرميل في النصف الثاني من 2008-حتى لا تستخدمها الدول المنتجة للنفط كسلاح تتحكم به في الاقتصاد العالمي ومن ثم النظام العالمي ، واعتبر البعض الآخر الدول النفطية تمثل كبش فداء للسياسات الاقتصادية العالمية[9] ، واستنزاف لثروات بعض المستثمرين من دول العالم الآخذة في النمو ، بل وصفها البعض أنها مؤامرة لخفض معدل أسعار النفط العالمي[10]
 واعتقد أن هذا الرأي به نوع من المبالغة فحقا النظام الرأسمالي في أزمة منذ فترة ليست بقصيرة ، وهذه الازمة تعمقت إلى ان انفجرت ، وان كان افتراض سوء النية هو أمر متوقع من الدول النامية ، لما تعانيه من اضطهاد مستمر في العلاقات الاقتصادية الدولية ، إلا ان ذلك لا يدفعنا إلى إنكار وجود أزمة تضرب بجذورها في النظام الرأسمالي القائم .


[2] حازم الببلاوى ، الأزمة المالية والبجعة السوداء،الأهرام ،15فبراير200
   3 فؤاد مرسى ، الرأسمالية تجدد نفسها ، عالم المعرفة ،1990،ص10
[4] عبد اللطيف الهميم ، الأزمة المالية والبديل الثالث –سقوط الرأسمالية- ،ص3، http://www.4shared.com/file/70180152/32a8ec56/_________.html?s=1
[5] سامية حسن الساعاتي ، الفضائيات وثقافة الاستهلاك ، مجلة العربي ، العدد 605 أبريل 2009
[6] أحمد جمال الدين موسى ، العلاقات الاقتصادية الدولية ، جهاز توزيع الكتاب الجامعي بجامعة المنصورة ، 2004 ، ص222
[7] راجع لاحقا الفكر الكنزي ومدى نجاحة في حل الازمة الراهنة
[8] حازم الببلاوي ، النظام الاقتصادي الدولي المعاصر ، عالم المعرفة ،2000،ص73
[9] رضا عبد السلام ، هل ستكون الدول النفطية كبش الفداء للخروج من الأزمة العالمية ، صحيفة الاقتصادية الالكترونية ، العدد 5585 ، 25 يناير 2009 ، http://www.aleqt.com/2009/01/25/article_188287.html
[10] همام الشماع ، تفسير أخر للأزمة المالية ... الإفقار المتعمد ، http://www.aljazeera.net/NR/exeres/3AD71E53-D063-4BC9-8688-70557E8FBE64.htm
رأيك فى المقالة